الجمعة، 26 نوفمبر، 2010

أردوجان وقنبلة "عكار" في وجه إسرائيل





أردوجان خلال زيارته للبنان
في تصريحات تعتبر الأقوى من نوعها منذ مجزرة أسطول الحرية ، أكد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان يوم الخميس الموافق 25 نوفمبر أن تركيا لن تسكت إذا ما هاجمت إسرائيل من جديد لبنان أو قطاع غزة .
وتابع أردوجان في كلمة ألقاها أمام الاجتماع السنوي لاتحاد البنوك العربية في بيروت " هل ستدخل إسرائيل أرض لبنان بأحدث الطائرات والدبابات وتقتل الأطفال والنساء وتهدم المدارس والمستشفيات وبعدها تطلب منا أن نسكت?".
وأضاف في حضور رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري "هل تستخدم إسرائيل أحدث الأسلحة والقنابل الفوسفورية والعنقودية وتدخل غزة وتقتل الأطفال الذين يلعبون في المزارع وبعدها تطلب منا أن نسكت ، لن نسكت , وسنقول بكل إمكانياتنا إننا مع الحق".
ولم يقتصر الأمر على ما سبق ، بل إن أردوجان استهل زيارته للبنان في 24 نوفمبر بالتأكيد أن لبنان انتصر على إسرائيل في الحرب التي شنتها عليه عام 2006 وسينتصر عليها في أي حرب قادمة.
ودعا أردوجان خلال احتفال شعبي أقيم في "عكار" شمالي لبنان إلى أن تكون المنطقة كلها في موقف واحد ضد من أسماهم "القتلة الإسرائيليين" ، مؤكدا أنه في حال نشوب حرب جديدة فإن الخاسر لن يكون فقط من أبناء المنطقة بل من مواطني إسرائيل أيضا.
وفي محاولة لتأكيد حرص تركيا على استقرار لبنان ، حث أردوجان اللبنانيين على التفاهم لحل خلافاتهم بشأن المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
بل إنه بعث أيضا برسالة طمأنينة للعرب جميعا بأن هاجم من ينتقدون التقارب العربي التركي ، مؤكدا التزام تركيا بالتنسيق مع الدول العربية وخاصة السعودية وسوريا لحل أزمة محكمة الحريري والحفاظ على استقرار لبنان .
التصريحات السابقة ترجح أن هناك مبادرة تركية إيرانية سعودية سورية لتهدئة التوتر في لبنان على خلفية القرار المرتقب للمحكمة الدولية ، ولعل ما يدعم ذلك هو قيام أردوجان بزيارة بيروت بعد أسابيع قليلة من زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للعاصمة اللبنانية .
حرب شاملة         
وليد المعلم
ويبقى الأمر الأهم وهو أن تصريحات أردوجان السابقة لا تنبع أهميتها فقط من أنها انطلقت من أرض لبنان وإنما هي تبعث أيضا برسالة تحذير واضحة لإسرائيل بأن أي حرب مقبلة ستكون شاملة وهذا ما أشار إليه صراحة وزير الخارجية السوري وليد المعلم مؤخرا .
فتصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم في 3 فبراير الماضي التي حذر خلالها إسرائيل من أن أي حرب ضد سوريا ستتحول إلى "حرب شاملة" لن تسلم منها المدن الإسرائيلية وما أعقبها من لقاء ثلاثي جمع الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في دمشق في 25 فبراير الماضي هي أمور ترجح أن أية مغامرة عسكرية إسرائيلية جديدة في المنطقة لن تكون في جبهة واحدة مثلما حدث في حربي تموز 2006 وغزة 2008 .
ولعل هذا ما أشار إليه أيضا الكاتب البريطاني روبرت فيسك عندما ذكر أن حزب الله سينقل الحرب القادمة إلى شمالي إسرائيل عبر نشر عشرات من مقاتليه هناك ، وهو الأمر الذي من شأنه أن يحيد سلاح الجو الإسرائيلي .
وبجانب ما ذكره فيسك ، فقد كشفت تقارير صحفية أن ترسانة حزب الله العسكرية تطورت أضعاف ما كانت عليه في حرب تموز ، حيث تقدر ترسانة صواريخه حاليا بـ 40 ألفا ، مقابل 14000 في 2006.
والمثير للانتباه في هذا الصدد أيضا أن حزب الله لم يركز على الجانب الكمي فقط ، بل عمل أيضا بناء على دروس حرب تموز على زيادة المدى لإدخال الجزء الأساسي من العمق الإسرائيلي ضمن التهديد الصاروخي. ويبدو أن الحزب حصل على منظومات لم تكن في حوزته سابقاً إذ اعترف وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك مؤخرا بأن معظم سكان إسرائيل يقعون تحت التغطية الصاروخية لحزب الله ومن غير المستبعد أن يكون الحزب قد حصل على طرازات متطورة من صواريخ "زلزال" و"فاتح  110 " الذي يبلغ مداه 250 إلى 300 كيلومتر ويحمل رأساً تفجيرياً زنته نحو نصف طن .
وإضافة إلى الصواريخ السابقة ، فقد كشفت تقارير صحفية أيضا أن حزب الله عمل على زيادة احتياطه من الصواريخ المضادة للدروع مع التشديد على صاروخ "كورنيت" الذي حصل عليه من سوريا والقادر على إصابة الهدف من على بعد 5.5 كيلومترات وكان الوسيلة الأكثر فاعلية لصد العملية البرية للجيش الإسرائيلي وتشويش إجراءاته في المعارك البرية في حرب تموز.
وتبقى بعد ذلك عدة أمور من أبرزها أن إسرائيل قد تكون اتخذت قرارا بشن حرب جديدة في المنطقة ، إلا أنها غير قادرة على ضمان نتائجها وتفاعلاتها ، لأن الحرب هذه المرة قد تكون في أكثر من جبهة مثلما جاء في تهديد أردوجان ووليد المعلم ، بل وقد تكون داخل إسرائيل نفسها وفقا  للتسريبات الصادرة عن حزب الله .
مأزق أمريكي

الأسد ونجاد والحريري
أيضا ، فإنه رغم كل الاستعدادات الإسرائيلية للقيام بعملية عسكرية كبرى  سواء ضد لبنان أو سوريا أو حزب الله أو ضد حماس وغزة أو ضد إيران ، فإن تنفيذ تلك الحرب ليس سهلا ، حيث أن القرار مرتبط بموافقة أمريكية وإسرائيل لا يمكنها أن تشن أية حرب بدون ضوء أخضر من واشنطن ، والأمريكيون يدركون جيدا أن أية حرب على إيران أو على حزب الله ستكون نتائجها وخيمة وأنه يمكن تحديد متى تبدأ الحرب لكن لا أحد يستطيع أن يحدد نتائج تلك الحرب وأن يضمن انتهائها لمصلحة إسرائيل وأمريكا .
هذا بالإضافة إلى أن تنفيذ عملية عسكرية ضد إيران قد يؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة والأمريكيون غير قادرين اليوم على تحمل نتائج تلك  الحرب اقتصادياً وعسكرياً في ظل تصاعد المعارك في أفغانستان واليمن وعدم استقرار الوضع في العراق.
ورغم أن إسرائيل ترى في غزة الحلقة الأضعف في "جبهة الممانعة " وقد تكون هدف الحرب القادمة ، إلا أن تحليلات كثيرة أكدت أن وضع حماس اليوم أيضا أصبح أقوى مما كان عليه خلال الحرب على غزة في ديسمبر / كانون الأول 2008 وأن أي هجوم إسرائيلي سيشن على القطاع سيكون له تداعيات عسكرية وسياسية ليست لمصلحة الأمريكيين والإسرائيليين.
وبصفة عامة فإنه من السهل على إسرائيل اتخاذ قرار بشن حرب جديدة في المنطقة ، إلا أنها على الأرجح لن تكون قادرة على التعامل مع نتائجها أو إحداث تغيير جذري في الأوضاع القائمة والتي تعتبرها تهديدا لها.
ورغم أن البعض قد ينظر للتدهور المتصاعد في علاقات تل أبيب وأنقرة على أنه أمر عارض بسبب مجزرة أسطول الحرية وأن علاقات البلدين ستعود مع الوقت لسابق عهدها ، إلا أن الأرجح هو أن تلك العلاقات في طريقها للقطيعة النهائية ليس فقط بسبب التقارب العربي التركي الواضح وإنما لأن إسرائيل سارعت لتعزيز علاقاتها مع اليونان ، حيث قام رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو بزيارة لإسرائيل في الأسبوع الثاني من أغسطس/آب الماضي ثم رد عليه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بزيارة اليونان في الشهر ذاته.
وبالنظر إلى أن التوتر طالما ساد علاقات تركيا واليونان ، فإن مسارعة إسرائيل لتعزيز علاقاتها مع الأخيرة يرجح أنه لا أمل لديها في استعادة التحالف المتين مع أنقرة .
والخلاصة أن هناك فرصة ذهبية أمام العرب لتضييق الخناق على إسرائيل وإحراج أمريكا عبر تعزيز العلاقات مع دول الجوار وخاصة تركيا وإيران