الأربعاء، 10 نوفمبر، 2010

هل تشير الجاهزية اللوجستية الإسرائيلية لحرب قادمة ؟

http://www.aljazeera.net/mritems/images/2010/2/11/1_971187_1_34.jpg

تطورات متلاحقة شهدتها الساحة العسكرية الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة، تشير في مجملها إلى حراك حثيث لمواجهة حدث ما، أو ربما المبادرة إلى افتعال مواجهة عسكرية وشيكة مع أي من الأطراف المرشحة، ضمن خارطة التهديدات الإسرائيلية. ويمكن إجمال هذه التطورات في الجوانب التالية:
1- شراء العشرات من طائرات الشبح الأميركية المعروفة باسم "أف35"، بكلفة تزيد عن ملياري دولار.
2- شراء غواصة ألمانية سادسة من طراز "دولفين" الهجومية، بتكلفة إجمالية تصل 1,4 مليار دولار.
3- الأزمة "الخفية" بين تل أبيب وموسكو على خلفية صفقة الأسلحة الروسية لسوريا، وإخفاق إسرائيل في إبطال إبرامها.
ترميم الوسائل القتالية
انطلقت طبيعة التجهيزات اللوجستية -التي تعكف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إعدادها وتحضيرها- من فرضيات تاريخية وصفت حروب إسرائيل خلال العقود الماضية بقيامها على عدم التكافؤ في الموارد العسكرية، لاسيما في مجال الحرب التقليدية، فالجيوش العربية تضم عدداً أكبر من الجنود، وتملك كماً أكبر من الأسلحة. ولمقابلة هذا "التخلف الكمي"، تسعى إسرائيل لإيجاد "تفوق نوعي" من الجنود والأسلحة، حيث إن عناصر قواتها البشرية أفضل من ناحية الكفاءة الجسدية، وأقوى تأهيلاً، وأكثر تحفزاً من نظرائهم العرب. وأدرك مخططو الحرب الإسرائيليون هذه الحقيقة منذ البداية، وسعوا دوماً لتطوير القوى البشرية، وركزوا على التفوق في عدة وجوه، أهمها:
1- مواظبة الجيش الإسرائيلي على التدريب القاسي والواقعي، لاسيما لوحداته المقاتلة، فمن المعروف أن تدريب الطيارين في سلاح الجو الإسرائيلي أصعب من أي تدريب للطيارين في العالم، فضلاً عن تبنيه نظرية الإبقاء على جو الحرب في المستويين العملياتي والتكتيكي، في سبيل زيادة قدرة قواه البشرية.
2- بالرغم من تراجع الجيش الإسرائيلي في بعض الأحيان في الحروب الشاملة والنزاعات "منخفضة الوتيرة"، فإنه لم تتفوق عليه قط أي قوة عسكرية عربية، وكان الجيش المنتصر في جميع الحروب الشاملة، باستثناء حروب الاستنزاف 1970، ولبنان 2006، وغزة 2009، حيث لم يكن قادراً على تسديد ضربة قاضية للمنظمات الفلسطينية والعربية.
3- خلال ربع القرن الماضي زاد حجم الجيش الإسرائيلي عدة أضعاف، لدرجة أن مخازن أسلحته تحوي 800 طائرة مقاتلة، وأربعة آلاف دبابة، وألفي قطعة مدفعية، وهي أرقام تجعل مخازنه من أكبر المخازن العسكرية في العالم.ووفقاً لما تبدى من عيوب وثغرات بنيوية في بناء القوة العسكرية الخاصة بالجيش الإسرائيلي ووسائله القتالية، فقد اعتمدت هيئة الصناعات العسكرية برنامجاً يقوم على أساس خمسة فروع مركزية، بدأ الجيش بتطبيق بعضها في نصف السنة الأخيرة، على النحو التالي:
1- دفاع متعدد الشرائح: من خلال بذل جهود مركزة لتطوير منظومات دفاعية لإسقاط الصواريخ والمقذوفات من كل الأنواع، وفي غضون 5-7 سنوات سيكون ممكناً ضمان ألا تهدد الصواريخ والمقذوفات إسرائيل بعد ذلك.
2- تحسين قدرات المناورة: الذي سيتحقق من زيادة القوى البشرية، وحسب المعطيات التي يعرضها الجيش، فإن حجم القوة اليوم أقل مما كان حين وصل ذروة حجمه.
3- طول نفس لوجستي: فالمعطيات التي تجمعت تشهد بأن لدى الجيش مشكلة احتياطي في مخازن الطوارئ إذا ما اندلعت حرب على أكثر من جبهة، وينقص المخازن قطع غيار للطائرات والمدرعات.
4- التدريبات والمناورات: يطالب جنرالات الجيش بوضع ميزانية دائمة دون مساومة لزيادة التدريبات، بما فيها التدريبات بالنار الحية في الألوية والفرق، والهدف هو العودة إلى حجم التدريبات المتبع خلال التسعينيات.
5- ذراع طويلة المدى: ويتعلق باستمرار ضخ الموازنات للقوة العسكرية الإستراتيجية لإسرائيل، الذي يُتيح ضرباً مركزاً لأهداف بعيدة عن حدود الدولة. وقد تم تحديد أهداف خطة التجهيز اللوجستي الإسرائيلي على الشكل الآتي:
أ- تعزيز القوات البرية، لتمكينها من السيطرة بسرعة على أرض المعركة بالمناورة وسرعة الحركة.
ب- تقوية الذراع الطويلة لقوات الجو والفضاء، لتأمين السيطرة الجوية المطلقة.
ج- تحسين التفوق النوعي للقوات البحرية، وتعزيز سيطرة إسرائيل على سواحلها.
ميزان التسلح
تشير القراءات العسكرية الصادرة في السنوات الأخيرة حول ما يعرف بـ"ميزان التسلح في الشرق الأوسط"، إلى تقدم وضع إسرائيل العسكري بين جاراتها العربية والإسلامية، على النحو التالي: 1- السعودية: ترى إسرائيل أن السعودية تشعر بتهديدات حقيقية، داخلية من قبل تنظيم القاعدة، وخارجية من قبل إيران، وقد تمتعت في السنوات الأخيرة بأرباح خيالية جراء ارتفاع أسعار النفط، مما جعلها تذهب باتجاه تنمية قدراتها العسكرية والتسليحية في عدة مجالات مختلفة، وبمستويات كبيرة، وقد دلت على ذلك الصفقة العسكرية الأكبر في تاريخ الجيش الأميركي التي عقدها مع نظيره السعودي بقيمة 60 مليار دولار!.
2- إيران: حيث تبدي رغبة جامحة لمزيد من التسلح والتعاظم العسكري، وتخرج تسريبات إعلامية بين الحين والآخر عن صفقات هائلة من شراء الأسلحة الروسية، ويتركز الطلب الإيراني على قطع الدفاعات الجوية طويلة المدى.
3- مصر: التي تتلقى مساعدات دورية من الولايات المتحدة تصل إلى 1.3 مليار دولار سنوياً، ووقع البلدان اتفاقاً يقضي ببقائها حتى عام 2018 على الأقل، حيث تتركز المطالب المصرية على طائرات الأباتشي، والدبابات، ومنذ أن بدأ جيشها في التزود بها، أنتجت صناعاتها العسكرية ما يقارب 800 دبابة.
4- إسرائيل: التي تتمتع بمساعدات سنوية من الولايات المتحدة تصل في مجموعها إلى 2.4 مليار دولار، ويتجه معظمها للاحتياجات العسكرية تحديداً، ومن المتوقع أن تستمر بوتيرة متزايدة لتصل عام 2018 إلى 30 مليار دولار، وفي أعقاب حرب لبنان الثانية، استثمر الجيش الإسرائيلي أموالاً طائلة في تجديد منظومات التسليح والذخيرة لقواته. ومن ذلك، أن سلاح الجو انتهى مؤخرا من تخزين ما يقارب مائة طائرة من طراز F-16I، وخمسة من طراز "ثعبان"، للأغراض الاستخبارية وجمع المعلومات، وأغراض المراقبة، والتحكم الجوي، لكن المعارك التي خاضها في لبنان وغزة جعلته يُدخل تحسينات تقنية وعملياتية على مكوناتها.كما طالب بحيازة طائرات متقدمة جداً، لاسيما من طراز C130J، حيث تقدمت إسرائيل بطلب رسمي لامتلاك تسع طائرات منها بقيمة تقدر بـ1.9 مليار دولار، كما ينوي استبدال طائرات التدريب والتأهيل لطياريه التي يستخدمها منذ أربعين عاماً، بطائرات أخرى حديثة من إنتاج أميركي. وسيتم تمويل هذه الخطط التسليحية التي بلغت موازنتها 60 مليار دولار، على النحو التالي:
‌أ- ثلث المال سيصل من وزارة المالية.
‌ب- ثلث آخر سيأتي من المساعدات الأمنية الخارجية.‌
ج- الثلث المتبقي سيتم تمويله من موازنة جهاز الأمن من خلال بيع أملاك عقارية. ويمكن استخلاص ملاحظات هامة على صعيد الخطة التسليحية الإسرائيلية على النحو التالي:
1- التمركز حول الطبيعة الهجومية أو الدفاعية الواجب على إسرائيل تبنيها في العقد المقبل، وأخذ دروس حربيْ لبنان وغزة حيزاً مهما خلالها.
2- مناقشة أضرار الاعتماد فقط على التكنولوجيا، وضرورة العودة إلى التركيز على العنصر البشري.
3- التوقف عند البعد الاقتصادي، الذي بات حاسماً في تبني الحلول التكنولوجية.
4- النظر إلى عامل زيادة المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، لكونه يوضح ماهية العلاقات الإسرائيلية/الأميركية، والدور الوظيفي الموكول إليها في خضم الأوضاع العالمية والإقليمية الراهنة.
5- إحداث "ثورة تسلحية" في الجيش الإسرائيلي، من خلال تزويد سلاح البر بالمئات من المجنزرات الثقيلة، ودبابات "المركافاه" الحديثة، والمنظومات المضادة للصواريخ.
وفي ختام مداولات طويلة، أجمل قائد هيئة الأركان الذي سيغادر منصبه عما قريب غابي أشكنازي أهم نقاط خطة التسلح الإسرائيلية متعددة السنوات، ومن أهم مراحلها وتفاصيلها العسكرية:
1- المنظومة البرية: سيتواصل إنتاج دبابات "مركافاه 4"، إلى جانب إدخال تحسينات على مئات الدبابات الموجودة، والتشديد على التحصين الفاعل لها، والاعتناء بإنتاج مئات المجنزرات من نوع "نمر" على أساس منصة "المركافاه".
2- سلاح الجو: سيعزز من خلال شراء طائرات "أف 35"، وهذه طائرة قتالية غاية في التطور، مع قدرات ستساعد على تحسين الذراع الطويلة للجيش الإسرائيلي، وسيتم تطوير الطائرات الموجودة، وتعزيز منظومة الطائرات غير المأهولة.
3- سلاح البحرية: سيزود بسفن جديدة متعددة الأغراض، وتطوير منظومة الغواصات، وسيتم تحسين قدرته في استخدام النار.
4- الدفاع ضد الصواريخ والمقذوفات: من خلال استثمار مصادر عديدة في إنتاج إجابات لجملة التهديدات، وعلى رأسها جهاز "القبة الحديدية" ضد الكاتيوشا والقسام، ومشروع "حيتس" الذي سيطور إلى منظومة "ح 3"، وهي منظومة موجهة أساساً ضد القدرات النووية التي تأتي من الشرق.نقص الموارد أشارت المحافل العسكرية الإسرائيلية إلى أن حرب لبنان 2006، وحرب غزة 2009، أظهرتا أن الموارد اللوجستية الإسرائيلية مصابة بنواقص كثيرة في عناصر مختلفة مثل: التصدي للصواريخ قصيرة المدى، والإخفاقات في بناء القوة، وهو ما دفع بإسرائيل لأن تبذل جهوداً حثيثة في حيازة السلاح العسكري في عدد من المجالات، أهمها:
1- أجهزة الدفاع ضد الصواريخ والقذائف، المحلية الصنع والباليستية، إلى جانب الاستثمار في مشاريع تصنيعية ضد الصواريخ والقذائف التي تطلق عليها من لبنان وغزة.
2- تواصل إسرائيل العمل في مجال الفضاء، حيث أطلقت القمر الصناعي "أفق 7"، كما أطلقت قمرا صناعيا جديدا بمساعدة هندية، سيمكنها من جمع المعلومات خلال ساعات الليل والنهار، وفي مختلف أحوال الطقس وظروف المناخ.
3- في مجال طائرات الاستطلاع ليس لإسرائيل مجالات اختراق جديرة بالذكر، فباستثناء أنها تستطيع الطيران ما يقارب 40 ساعة متواصلة، وتجمع المعلومات الاستخبارية، فإنها ما زالت متواضعة في المسافات التي تستطيع المضي فيها جواً، فهذه الطائرات ما زالت صغيرة، وبسيطة، ويمكن تشغيلها من خلال جنود الوحدات العاملة في الميدان، ولا تتجاوز المسافة التي تتخطاها عشرة كيلومترات على أبعد تقدير.
4- وسعت إسرائيل في السنوات الأخيرة مجالات تصنيعها الذاتي في الأدوات القتالية الخاصة بسلاح البر، وربما أن أحد أهم دروس حربيْ لبنان الثانية وغزة، هو أن الجيش الإسرائيلي عمد إلى تمتين حيازته لحاملات الجند من طراز "نمر"، التي تستخدم ضد الصواريخ المضادة للدبابات. أخيراً.. فإن ما شهدته الحربان الإسرائيليتان الأخيرتان ضد حركة حماس في قطاع غزة، وحزب الله في جنوب لبنان، من استخدام مكثف لمختلف أنواع الأسلحة الفتاكة، جواً وبحراً وبراً، قد لا يتعدى كونه "بروفة" مصغرة لما سيتم إدخاله في ميدان المعركة القادمة، لكن ذلك لن يحسم نتيجتها بالضرورة لصالح من كان يسمى في عقود سابقة بـ"الجيش الذي لا يقهر"!.