الخميس، 28 أكتوبر، 2010

قصة "الداهية" أسانج الذي فضح البنتاجون













جوليان أسانج
بعد أيام من نشر الـ 400 ألف وثيقة التي فضحت جرائم الاحتلال الأمريكي وأعوانه في العراق ، خرج مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج أو "بعبع" أمريكا كما يطلق عليه البعض على الملأ بتصريحات مثيرة كشف خلالها الكثير من الأسرار حول الطريقة التي يعمل بها والتهديدات التي تلقاها من البنتاجون .
وخلال لقاء مع برنامج "بلا حدود" على قناة "الجزيرة" في 27 أكتوبر، بدأ أسانج حديثه بالإشارة إلى أن موقع ويكيليكس فضح الانتهاكات والفساد في أكثر من مائة وعشرين دولة من أبرزها ما حدث في كينيا عندما تم تغيير حكومتها في 2007 بعد نشر وثائق تؤكد تورطها في جرائم فساد وغسيل أموال .
وحول طريقة حصوله على الوثائق ، كشف أسانج أن هذا الأمر يتم شخصيا أو من خلال البريد الإلكتروني أو البريد العادي أو بطريقة غير مباشرة في حال الحكومات الديكتاتورية عن طريق قيام الشخص الذي يمتلك وثائق هامة بإرسالها إلى صديق له في الخارج ومن خلاله يتم إيصالها لموقع ويكيليكس سواء عبر البريد الإلكتروني أو من خلال الاتصال بشركاء ويكيليكس الإعلاميين وأبرزهم قناة "الجزيرة ".
وفي رده على سؤال حول إمكانية كشف مصدر الوثائق ، أكد أسانج أنه لم يتم اعتقال أي شخص أرسل وثائق للموقع لأنه يتبع طريقة تخزين مشفرة ومعقدة جدا تجعل من الصعوبة بمكان معرفة هذا المصدر ، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الموقع يجري تحقيقا شبه قضائي للتأكد من صحة الوثائق عبر التحقق من خلفية المصدر ومكان عمله ودوافعه بالإضافة إلى التأكد من المعلومات الواردة في الوثائق بالرجوع إلى مصادر عسكرية واستخباراتية موثوق بها للاستفسار مثلا عن عملية عسكرية وقعت في يوم ما وقتل فيها مدنيون .
وبالنسبة للهيكل الوظيفي في موقع ويكيليكس ومصادر تمويله ، كشف أسانج أنه يعمل بداخل الموقع 30 شخصا بالإضافة إلى شبكة من المتطوعين تقارب 800 شخص وفريق مستشارين قانونيين .
أما فيما يتعلق بالتمويل ، فقد أشار أسانج إلى أنه حتى يناير الماضي كان يدفع كافة التكاليف من أمواله الخاصة ، قائلا:" وبعد تزايد النفقات بسبب الدعاوى القضائية وبعض الهجمات الإلكترونية فتحنا الباب أمام الأصدقاء والتبرعات التي يقدمها مؤيدون للموقع ، حيث حصلنا خلال الشهور الماضية على مليون دولار تبرعات من آباء وأمهات وصحفيين وناشطي حقوق الإنسان ".
وأضاف " بصفة عامة ، الكلفة الشهرية للموقع تبلغ 120 ألف دولار ،  والتكلفة تزيد باستمرار ، رغم الضغوط التي نواجهها من قبل أمريكا ، إلا أننا نجحنا في فتح حسابات مالية في بعض الدول الأوروبية يتم من خلالها إرسال التبرعات ".
هجمات وتهديدات

أسانج خلال لقائه مع الجزيرة
وبالنسبة للهجمات الإلكترونية التي تعرض لها الموقع ، قال أسانج :" تعرضنا لهجمات من الصين إلا أننا كشفناها خلال ساعات ، لدينا موقع مسلح ومحصن بشكل كبير ضد مثل تلك الهجمات من خلال امتلاك 
حواسيب كبيرة ومتطورة وجدران حامية وشركات إنترنت عملاقة".   

وفي رده على اتهامات البنتاجون بأنه يعمل لصالح أعداء أمريكا ، كشف أسانج أنه تلقى في الشهور الأخيرة تهديدات لا حصر لها من قبل البنتاجون الذي طالبه أيضا بتدمير كافة الوثائق التي قام بنشرها وعدم نشر أية وثائق جديدة تتعلق بالجيش الأمريكي ، بالإضافة إلى الضغوط التي مارسها على وسائل الإعلام الأمريكية للامتناع عن نشر وثائق ويكيليكس أو التعاون مع الموقع ، قائلا :" لقد سقطت الديمقراطية الأمريكية ، البنتاجون يهددنا أيضا بالملاحقة القضائية بتهمة التجسس واعتقل عددا من المتطوعين الذين يعملون معنا ".
وتابع " ضغطت واشنطن أيضا على استراليا وإيسلندا والسويد لكي لا تكون مأوى آمن لنا ، مصادر استخباراتية أمريكية وغربية طلبت منا التزام الحذر في تحركاتنا ولذا أنا موجود الآن في لندن  بعد أن تلقيت تطمينات من مصادر موثوقة بتأميني ضد الاعتقال أو الاغتيال ". 
واستطرد في هذا الصدد قائلا :" الاتهامات بالعمل لصالح أعداء أمريكا محض كذب ، منذ انطلاق العمل بالموقع قبل 4 سنوات نشرنا وثائق حول 120 دولة ، بل إن الوثائق حول العراق وأفغانستان كانت وثائق أمريكية ومسربة من داخل الولايات المتحدة نفسها ".    
وبالنسبة لما يتردد حول احتمال تعاونه مع أجهزة استخبارات في دول العالم ، نفى أسانج بشدة صحة هذا الأمر ، قائلا :" هناك متطوعين فقط في أجهزة استخباراتية يعملون معنا ، الاستخبارات الروسية عرضت علينا التعاون معها إلى أننا رفضنا ، نحن حريصون على أن نظل جهة مستقلة لفضح الفاسدين ".
  
ويبدو أن أسانج مقتنع تماما بما يقوم به ، حيث أكد أنه راض تماما عن عمله لأنه يواجه الحكومات الفاسدة ويتصدى لانتهاكات الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان ، قائلا :" هدفنا الدفاع عن التاريخ والضحايا الأبرياء في مواجهة الحكومات السلطوية والفاسدة ، هذا مصدر قوتنا ويستحق المخاطرة ، الإنترنت والصحافة الاستقصائية هما أفضل وسيلة الآن لفضح الفساد والانتهاكات ".

وفي رده على سؤال حول امتلاك وثائق عن الحكومات العربية ، كشف أسانج أنه حتى لو امتلك مثل تلك الوثائق فإنها تكون إما جاءت من أمريكا أو من دول غربية ، قائلا :" لدينا وثائق عن القاعدة ونشرنا وثائق حول بعض بنوك أبو ظبي وتلقينا تهديدا بالسجن بتهمة انتهاك قوانين سرية مصرفية ". 
واختتم مؤسس ويكيليكس تصريحاته قائلا :" هناك ملايين الوثائق لم تنشر بعد ، بعضها يتعلق بأفغانستان وروسيا ، هناك 15 ألف وثيقة جديدة حول الحرب بأفغانستان جاهزة للنشر ".
موقع ويكيليكس

شعار موقع ويكيليكس
وأيا كانت ما ستتضمنه الوثائق الجديدة ، فإن مهمة ويكيليكس تنتهى عند نشرها ، أما التحقيق فيها فهو مسئولية كل من يهمه الأمر وخاصة ضحايا الانتهاكات الواردة في تلك الوثائق .
فمعروف أن موقع ويكيليكس "www.wikileaks.org " ومعناه "تسريبات الويكي" يعتبر كما يقول القائمون عليه موقعا للخدمة العامة مخصصا لحماية الأشخاص الذي يكشفون الفضائح والأسرار التي تنال من المؤسسات أو الحكومات الفاسدة ويكشف كل الانتهاكات التي تمس حقوق الإنسان أينما وكيفما كانت .
واسم الموقع جاء من دمج كلمة "ويكي" والتي تعني الباص المتنقل مثل المكوك من وإلى مكان معين وكلمة "ليكس" وتعني بالإنجليزية "التسريبات".
وجاءت فكرة تأسيس الموقع من خلال حوار بين مجموعة من الناشطين على الإنترنت من أنحاء متفرقة من العالم مدفوعين بحرصهم على احترام وحماية حقوق الإنسان ومعاناته بدءا من قلة توفر الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والقضايا الأساسية الأخرى.
ومن هذا المنطلق رأى القائمون علي الموقع أن أفضل طريقة لوقف هذه الانتهاكات هو كشفها وتسليط الضوء عليها ، ومن أبرز القائمين على الموقع الناشط الإسترالي جوليان أسانج .
وانطلق الموقع في عام 2006 من السويد بالنظر إلى القوانين هناك التي تحمي المؤسسات التي تكشف الفساد وخاض الموقع منذ تأسيسه صراعات ومعارك قضائية وسياسية من أجل حماية المبادئ التي قام عليها وأولها "صدقية وشفافية المعلومات والوثائق التاريخية وحق الناس في خلق تاريخ جديد".
ومن أجل حماية مصادر المعلومات يتبع موقع ويكيليكس إجراءات معينة منها وسائل متطورة في التشفير تمنع أي طرف من الحصول على معلومات تكشف المصدر الذي وفر تلك التسريبات.
ويتم تلقي المعلومات إما شخصيا أو عبر البريد كما يحظى ويكيليكس بشبكة من المحامين للدفاع عن المواد المنشورة ومصادرها التي لا يمكن -متى نشرت على صفحة الموقع- مراقبتها أو منعها.
وسبق لويكيليكس أن حصل على حكم قضائي من المحكمة العليا بالولايات المتحدة التي برأته من أي مخالفة عندما نشر ما بات يعرف باسم أوراق البنتاجون التي كشفت العديد من الأسرار حول حرب فيتنام.
وما يثير الحزن أنه رغم آلاف الوثائق التي نشرها ويكيليكس حتى الآن إلا أن المتهمين فيها لم يتم تحويلهم للقضاء ومحاسبتهم على ما ارتكبوه من أخطاء وهو ما دفع القائمين على الموقع للتأكيد أن تقدير ذلك يعود نهاية المطاف للقضاء وليس الإعلام .
ورغم أن أمريكا اتخذت من وجهة نظرها كافة الإجراءات التي تمنع محاكمة جنودها أمام المحاكم الدولية ، إلا أن هذا لا يمنع - كما يقول القائمون على ويكيليكس - الصحفيين والناشطين والمعنيين من استخدام معلومات ينشرها الموقع للبحث والتقصي للوصول إلى حقيقة الأمر وبالتالي يمكن لاحقا تحويل المسألة إلى قضية ينظر فيها القضاء.
وتبقى الحقيقة الهامة وهي أن وثائق ويكيليكس فضحت زيف الديمقراطية الغربية والمحاكم الدولية التي أصدرت مذكرتي اعتقال بحق الرئيس السوداني عمر البشير بناء على اتهامات لم يثبت صحتها فيما تجاهلت تماما أدلة موثقة ومسربة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها حول جرائم حرب ارتكبت بالفعل بالعراق وأفغانستان .